من حافة الانتحار إلى إمامة الناس: كيف ينقذ الإنسان الذي أراد الموت آلاف الأرواح؟

من حافة الانتحار إلى إمامة الناس: كيف ينقذ الإنسان الذي أراد الموت آلاف الأرواح؟
الفضول: ماذا يشعر الإنسان حين يقرر أن يكون آخر يوم في حياته؟
تخيل أنك تجلس في غرفة مظلمة. أطفالك نائمون في الغرفة المجاورة. زوجك لا يدري. الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، وكل ما تفكر فيه هو: "اليوم هو اليوم."
ليس هذا مشهداً من فيلم. هذا كان واقع أميليا نور-أوشيرو، امرأة مسلمة أمريكية من أصل باكستاني. في عام 2015، بعد ولادة طفلتها الأولى، سقطت في دوامة اكتئاب ما بعد الولادة لم تكن تفهمها. لم تكن تعرف أن أفكار الموت التي تزورها ليست "ضعف إيمان"، بل مرض يحتاج علاجاً.
في إحدى الليالي، قررت أن تنهي الألم. جلست على حافة الهاوية الداخلية، وكانت تفكر: "هل سيعرف أطفالي يوماً ما لماذا فعلتُ هذا؟"
المفارقة: القاتل يصبح المنقذ
كيف تحولت المرأة التي حاولت الانتحار ثلاث سنوات متتالية إلى من تُدرّب الآئمة في 3000 مسجد أمريكي؟
هذه هي المفارقة التي لا يستوعبها العقل. أميليا لم تكن "مسلمة سيئة" أو "ضعيفة الإيمان". كانت باحثة في الصحة العامة، وزوجة، وأمّاً تحمل ألماً لا يراه أحد.
في المجتمع المسلم، كان الجميع يقول لها: "صلّي أكثر. اقرأي القرآن. الشيطان هو السبب." لكن أحداً لم يسألها: “كيف تشعرين حقاً؟”
الألم الذي لا يُسمع يتحول إلى سكين ينحت الروح من الداخل.
لحظة الندم التي غيّرت كل شيء
في إحدى محاولاتها، وجدت نفسها في المستشفى. للمرة الأولى، نظرت إلى وجهها في المرآة ورأت الحلقة الحمراء حول رقبتها. فكرت: “أطفالي كانوا سيصبحون بلا أم. أحتاج مساعدة.”
هذه اللحظة لم تكن سحرية. كانت صدمة في المنظور. عندما تدرك أن موتك سيترك جرحاً أكبر من جرحك، تبدأ بالخروج من سجن ذاتك.
دور الدين: "جعلت نيتي لمنع الانتحار عبادة لله"
أميليا لم تترك إيمانها. بل أعادت اكتشافه من منظور مختلف. في دراستها للإسلام، وجدت حديثاً نبوياً شجعها: “لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي.”
فهمت شيئاً عميقاً: الإسلام لا يحرّم المشاعر. الإسلام يحرّم التخلي عن الحياة دون محاولة إنقاذها. في عام 2020، اتخذت قراراً جريئاً: “سأجعل نيتي لمنع الانتحار في المجتمع المسلم عبادة لله.”
بدأت تدرس، تبحث، وتنشر. أطلقت حساباً على وسائل التواصل باسم "باحثة الانتحار المسلمة"، وكانت أول من كسر الصمت العلمي حول الانتحار في المجتمعات المسلمة.
إعادة البناء: من المريضة إلى القائدة
لم يكن التعافي سهلاً. أميليا تقول إنها "تختار الحياة كل صباح". ليست مجرد عبارة ملهمة، بل حقيقة يومية.
لكنها لم تتوقف عند نفسها. اكتشفت أن المسلمين في أمريكا يعانون من معدل محاولات انتحار ضعف المعدل في الفئات الأخرى.
فكرت: "إذا لم نتحدث عن هذا، فمن سينقذنا؟"
اليوم، أميليا تعمل مع مختبر ستانفورد للصحة النفسية المسلمة، وتُدرّب الآئمة على كيفية التعامل مع الانتحار بعلم ودين معاً. هدفها: الوصول إلى 80% من المساجد الأمريكية خلال خمس سنوات.
السر الذي لا يخبرك به أحد
الأمل ليس شعوراً يأتيك وأنت مستلقٍ على سريرك. الأمل قرار تتخذه وأنت ترفض الاستسلام ليوم واحد إضافي. الألم لا يختفي، لكنك تتعلم أن تعيش معه.
أميليا لا تزال تمر بفترات صعبة. لا تزال تتذكر الليالي المظلمة. لكنها اليوم، حين تشعر باليأس، تخبر زوجها أو صديقتها فوراً. لم تعد تحمل السر وحيدة.
الخاتمة: أنت لا تعرف من ستصبح
إذا كنت في الظلام الآن، فتذكر: الشخص الذي يقرأ هذه السطور قد يكون هو من سيمنع انتحاراً واحداً بعد عشر سنوات. قد تكون أنت من سيقف أمام مئات الأشخاص ويقول: "أنا مررت بهذا. وأنا هنا."
أميليا نور-أوشيرو كانت ستموت في تلك الليلة. لكنها عاشت لتخبرك أن الندم يأتي قبل الفعل، وأن الله يسمع في أعمق الظلام، وأن قصتك لم تنتهِ بعد.
الحياة هدية. لهذا يسمونها الحاضر.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق