القاتل المريض نفسياً: مجرم أم مريض؟ أين تنتهي المسؤولية وتبدأ المعاناة؟

القاتل المريض نفسياً: مجرم أم مريض؟ أين تنتهي المسؤولية وتبدأ المعاناة؟
جدار الصمت المُحطَّم
في ليلة باردة من عام 2019، دخل شاب في العشرينيات من عمره منزله حاملاً سكيناً. لم يكن يكره أحداً. لم يكن يخطط للانتقام. كان يسمع أصواتاً تُأمره بأن عائلته قد تحولت إلى شياطين. عندما استيقظ الجيران على صراخ، كان الدم قد سال، والجسد قد سقط، والروح قد تاهت بين جحيم المرض وحقيقة الجريمة.
هذه ليست حكاية من أفلام الرعب. إنها واحدة من مئات الحالات التي تواجهها المحاكم سنوياً حول العالم. لكن السؤال الذي يظل عالقاً في حلق المجتمع: هل هذا الشاب قاتل يجب أن يُحاكم، أم ضحية لدمار داخلي لم يختره؟
الدماغ المُتمرد
المخ ليس مجرد آلة منطقية. إنه كونٌ معقد من كيمياء وكهرباء وتجارب. عندما يصيب الاضطراب النفسي مناطق المسؤولية والوعي والتحكم، فإن الفرد قد يفقد القدرة على تمييز الصواب من الخطأ. الفصام، الاضطراب ثنائي القطب، الذهان الاكتئابي الشديد — كلها حالات يمكن أن تُفَرِّغ الإرادة من معناها.
لكن هنا يكمن التحدي. ليس كل مريض نفسي يتحول إلى قاتل. والأهم: ليس كل قاتل يُعاني من مرض نفسي. الإحصائيات تُظهر أن غالبية مرتكبي الجرائم العنيفة لا يعانون من اضطرابات نفسية تشخيصية. والعكس صحيح: غالبية المرضى النفسيين ليسوا عنيفين. فكيف نرسم الخط الفاصل؟
المسؤولية: كلمة ثقيلة على موازين العدالة
القانون في معظم الدول يميز بين "القدرة على التمييز" و**"فقدان الوعي"**. إذا كان المتهم يعي ما يفعله لكنه يختار الشر، فهو مجرم. أما إذا كان المرض قد سرق منه الوعي والاختيار، فقد يُعتبر غير مسؤول جنائياً.
لكن هذا التمييز نظري أكثر منه عملي. كيف يُقاس الوعي بدقة؟ كيف نُحدد لحظة "فقدان الاختيار"؟ المحاكم تعتمد على تقارير طبية شرعية، لكن الخبراء أنفسهم يختلفون. والمجتمع؟ المجتمع غالباً ما يحكم مسبقاً: "لو كان مريضاً، فلماذا لم يتعالج؟"
السؤال المُحرِج: لماذا لم يتعالج؟
هنا تتكشف جرحٌ أعمق. في مجتمعاتنا العربية، لا يزال الطب النفسي يحمل وصمة عار. الرجل الذي يزور طبيباً نفسياً "ضعيف". المرأة التي تتناول أدوية الاكتئاب "مجنونة". العائلة التي ترى ابنها يتغير تُنكر، تُخفي، تُصمت.
الرعاية النفسية نادرة ومكلفة. الأدوية غير متوفرة. الدعم الاجتماعي شبه معدوم. والنتيجة؟ مريض يتدهور في صمت حتى ينفجر. ليس تبريراً للجريمة، بل فهم لسياقها. المجتمع الذي يُهمل الصحة النفسية يدفع ثمن إهماله في محاكم الجنايات.
بين العقاب والعلاج
في الدول المتقدمة، تتجه المحاكم نحو "العلاج بدلاً من العقاب" في حالات المرض النفسي المثبت. لكن هذا لا يعني الإفلات. المريض ينقل إلى مستشفى أمني، يخضع لعلاج مشدد، ويُراقب لسنوات. الهدف ليس الانتقام، بل الحماية والتأهيل.
لكن هل العلاج يكفي؟ هل يُعيد الثقة لعائلة الضحية؟ هل يُشفي جرح العدالة؟ الإجابة معقدة. العدالة ليست معادلة رياضية. هي توازن هش بين حق المجتمع في الأمن، وحق المريض في العلاج، وحق الضحية في الحماية.
نحن جميعاً حدود
ربما لا يوجد خط واضح يفصل المسؤولية عن المعاناة. ربما المنطقة بينهما رمادية، مليئة بالأسئلة أكثر من الأجوبة. لكن ما يمكننا فعله واضح: أن نُصغي قبل أن نُحاكم. أن نُدرك أن الصحة النفسية ليست رفاهية بل ضرورة إنسانية. وأن نبني مجتمعات لا تنتظر الكارثة حتى تُدرك أهمية العقل.
الخاتمة
القاتل المريض نفسياً ليس شيطاناً، ولا هو مجرد ضحية بريئة. هو إنسانٌ وقع في تصادم مروع بين مرض لم يختره وإرادة لم تعد ملكاً له. لكن هذا الفهم لا يلغي الجريمة، ولا يُبرئ الدم. هو يضعنا أمام سؤال أعمق: هل نريد مجتمعاً ينتقم، أم مجتمعاً يُشفي؟
الإجابة على هذا السؤال لن تُغير الماضي، لكنها قد تُنقذ مستقبلاً. لأن كل مريض نفسي نُهمله اليوم، قد يكون قاتلاً غداً. وليس لأنه شرير، بل لأننا — نحن جميعاً — لم نُصغِ له في الوقت الذي كان فيه مجرد إنسانٍ يتألم.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق