لماذا نعامل المرض النفسي وكأنه عيب... بينما نعامل السرطان كأنه مرض؟

لماذا نعامل المرض النفسي وكأنه عيب... بينما نعامل السرطان كأنه مرض؟
جُرحٌ مرئي... وآخرُ يختبئُ في الظلام
تخيّلْ مشهداً واحداً:
رجلٌ يخرجُ من غرفةِ العمليات بعد استئصالِ ورمٍ سرطاني. يحيطُ به أهلُه، تَنهمرُ عليه رسائلُ المحبة، يُخفّفُ عنه ربُّ عمله الحملَ، ويُجيبُ الجميعُ عن سؤالِه قبلَ أن يسألَ: "كيفَ حالُكَ الآن؟"
والآن تخيّلْ مشهداً آخر:
امرأةٌ تُصارعُ اكتئاباً يَثُلُّ جِسْمَها كلَّ صباحٍ قبلَ أن تَرفعَ رأسَها من الوسادة. تُجاهرُ بألمِها فيلقي أخوها: "الحمدُ للهِ ما بِكِ شيءٌ ظاهر!"، وتَسمعُ صديقتُها: "قومي وتَوَضَّئي وصَلِّي رَكعتَين، بيَرُوح."، ويُهمِسُ جارُها: "هذه طَبعُها ضَعيف."
هذا ليسَ مَشهَداً افتراضياً. هذا ما يَحدثُ كلَّ يومٍ في بيوتنا، في شوارعنا، في مَكاتبِ عملنا.
لماذا نُقَدِّسُ الجَسدَ ونُهانِي العَقلَ؟
السَّرطانُ يُرعبُنا، لكنّا نُحترِمُه. نُحترِمُه لأنّه يَظهرُ على صورِ الأشعة، ويَرقَعُ الجلدَ، ويَستَنزِفُ الجِسْمَ. هو "دَليلٌ مادي" يُقنِعُ المجتمعَ بأنّ صاحبَه "مريضٌ حقاً."
أمّا الاكتئابُ، والقلقُ، والفصامُ، والوسواسُ القهريُّ... فهي "أشباحٌ." لا تَراهَا العينُ، فتَشُكُّ فيها النفوسُ. لا تَظهرُ على التحاليلِ، فتَحسَبُها الناسَ "كَسَلاً" أو "ضَعفَ إيمان" أو "تَصرُّفاً مُتَمَرِّداً."
هنا تَقعُ الكارثةُ:
نحنُ لا نُنكرُ المرضَ النفسيّ فحسب، بل نُحوِّلُه إلى "عَيبٍ أخلاقي."
السَّرطانُ يُصيبُ الخليةَ، فنُقاتِلُه بالكيميائي.
الاكتئابُ يُصيبُ الروحَ، فنُقاتِلُ صاحبَه باللّوم.
ثقافةُ "ما تِشْخَصْش نفسَكَ"
في مجتمعاتنا العربية، يَبرُزُ مَنطقٌ عجيبٌ: "ما تِشْخَصْش نفسَكَ بالمرضِ النفسيّ، لِئَلّا يَصِحَّ بِكَ." كأنّ الاعترافَ بالألمِ عقليٌّ هو سِحرٌ يَستحيلُ بالتسمية! كأنّ تَجاهُلَ الكسرِ يُعيدُ العظمَ إلى مكانِه!
هذا المَنطقُ ليسَ بريئاً. إنّه يُنتِجُ جيلاً يَتَلوَّى في صمتٍ. شابٌّ يُنازِعُ أفكاراً انتحاريةً ويَخشى أنْ يُفصِحَ لأنّ "العرسَ قد يَتعَرَّضُ." أمٌّ تُذيبُها رُعْبٌ ما بعدَ الوِلادةِ وتَختَنِقُ خَوفاً من وَصْمةِ "المجنونة." موظفٌ يَتَصبَّبُ عَرَقاً في اجتماعٍ بسببِ نوبةِ هلعٍ، فيُخفيها بابتسامةٍ صِناعيةٍ خَشيةَ أنْ يُصنَّفَ "غيرَ كفء."
الصمتُ هنا ليسَ ذهباً. الصمتُ هنا سُمٌّ يَتَراكَمُ.
المجتمعُ... الطبيبُ الذي لا يحملُ شهادة
نحنُ لا نَنتظرُ من غيرِ الأطباءِ أنْ يَكتُبوا لنا وصفةَ علاجٍ للسكري. لكنّنا نَنتظرُ من الجميعِ أنْ يُصدِّقوا أو يُكَذِّبوا "تَشخيصَنا" النفسيّ.
"ما بِكِ شيء، بسّ أنتِ كَسولة."
"الرجالُ ما يَبكونش، تَمَرَّنْ وَانسَ."
"هي دي نِعمةُ ربّنا، لِمَ التذمُّر؟"
هذه الجُملُ ليستَ مجردَ سوءِ فهمٍ. إنّها رَصاصٌ يَقْتُلُ البطيءَ. إنّها تَصرِفُ المريضَ النفسيّ عن طَلَبِ المساعدةِ قبلَ أنْ يَبدأَ رِحلتَه للشفاء.
والأدهى: حينَ يَجرُؤُ أحدهم على زيارةِ طبيبٍ نفسيّ، يَعودُ ليُخفيَ الأمرَ كما لو كانَ يَزورُ "ساحراً" أو يَرتكبُ "جريمةً." لماذا؟ لأنّ مجتمعاً ما زالَ يُقاسُ "الرجولةَ" بعدمِ البكاءِ، و**"القوةَ"** بعدمِ الاعترافِ.
الشفاءُ يبدأُ حينَ نُعيدُ صياغةَ السؤال
لا يَقتضي هذا الكلامُ أنْ نُقَلِّلَ من وَطْأةِ السرطانِ أو أيّ مرضٍ عُضويّ. بل العكسُ تماماً: يَقتضي أنْ نُساويَ بينَ الألمَين.
السؤالُ ليسَ: "هل المرضُ النفسيّ حقيقيٌّ؟"
السؤالُ هو: "لماذا نَحتاجُ دَليلاً مادّياً لِنُصدِّقَ أنّ إنساناً يتألم؟"
العقلُ ليسَ "ملكيةً" روحانيةً بَعيدةً عن الجِسْم. العقلُ جهازٌ بيولوجيٌّ مُركَّبٌ، يَتأثَّرُ بالكيمياءِ، ويَتأذّى بالضغطِ، ويَمرَضُ بالجيناتِ، ويَحتاجُ إلى علاجٍ كما يَحتاجُ القلبُ والكُلى.
خطواتٌ نحوَ التغيير
لنْ يأتيَ التغييرُ بالخطاباتِ الرنانةِ وحدَها. نحتاجُ إلى:
-تعليمٍ مبكّرٍ في المدارسِ عن الصحةِ النفسيةِ كما نُعلِّمُ النظافةَ الشخصية.
-إعلاماً يُبعِدُ صورةَ "المجنونِ الخطير" عن كلِّ مَن يَزورُ طبيباً نفسيّاً.
-قادةً رأي يُجاهرونَ بتجاربِهم النفسيةِ دونَ خَشيةٍ.
-أسراً تُدركُ أنّ "ابني مريضٌ نفسيّاً" ليستَ جملةَ عارٍ، بل جملةَ مسؤوليةٍ.
الخاتمة: الجُرحُ الواحد
في النهاية، لا يَختلفُ اكتئابٌ عن وَرَم. الاثنانِ يَسرِقانِ الحياةَ إنْ تُرِكا. الاثنانِ يَحتاجانِ إلى طبيبٍ، ودواءٍ، ودعمٍ، وحُبٍّ.
لكنّ الفارقَ الوحيدَ: أنّ صاحبَ الورمِ يَجِدُ أبواباً مفتوحةً، بينما صاحبُ الاكتئابِ يَجِدُ جُدراناً عاليةً.
فلنُهَدِّمْ تلكَ الجُدرانَ. ولنَقُلْ لكلِّ مَن يُحارِبُ في صمتٍ: ألَمُكَ حقيقيٌّ، وشجاعتُكَ في الاعترافِ بِهِ أقوى من أيّ وَصْمةٍ.
العقلُ أيضاً يَنزِف. والأنبلُ منا مَن يُقِرُّ بذلكَ، ويَمدُّ يدَ المساعدةِ قبلَ أنْ يَفوِتَ الأوان.