لماذا نتذكر ما ينقصنا وننسي ما نملكه؟ الوجه النفسي للجحود

لماذا نتذكر ما ينقصنا وننسي ما نملكه؟ الوجه النفسي للجحود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about لماذا نتذكر ما ينقصنا وننسي ما نملكه؟ الوجه النفسي للجحود

 

لماذا نتذكر ما ينقصنا وننسي ما نملكه؟ الوجه النفسي للجحود

الجحود ليس خيانة

في لحظة هدوء، جلست تفكر في كل ما فاتك.
الترقية التي لم تحصل عليها. العلاقة التي انتهت. السفر الذي تأجل.

وفي الوقت ذاته، نسيت تماماً أنك تملك سقفاً يقيّك، جسداً يحملك، وقلباً ما زال ينبض.

هذا ليس جحوداً بالمعنى الأخلاقي.

هذا الجانب النفسي للجحود: قدرة العقل على التركيز في الثقب الأسود بينما يتجاهل النور المحيط به.

لماذا العقل مُبرمَج على النقص؟

1-بقاء لا شكر

مخّنا لم يُصمَّم للسعادة، بل للبقاء.

أجدادنا الذين كانوا يقلقون من الجوع القادم هم الذين عاشوا.

أما المرتاحون الشاكرون؟ قد يغفلون عن تهديد حقيقي.

لذلك، يُفضّل العقل السلبي.

الخسارة تؤلمنا ضعفَ ما تُسعدنا المكاسب.

هذا "تحيز الخسارة" يجعلنا نتذكر الإهانة وننسى المئة لطفاً.

2-المقارنة القاتلة

نحن كائنات اجتماعية بشكل فظيع.

ننظر إلى ما لدى الآخرين كمعيار لما ينبغي أن نملك.

لكننا ننسى دائماً أننا نرى واجهتهم فقط، لا حروبهم الداخلية.

عندما يصبح النقص عدسة

المشكلة لا تبدأ عندما نفتقد شيئاً، بل عندما يصبح ما نفتقده هو الشيء الوحيد الذي نراه.

قد يحقق الإنسان عشرة أشياء، ثم يقضي ليلته يفكر في الشيء الحادي عشر الذي لم يحصل عليه.

ومع الوقت، لا يعود الأمر مجرد حزن على خسارة، بل يتحول إلى طريقة لرؤية الحياة نفسها.

يصبح العقل معتاداً على السؤال: "ماذا ينقصني؟" بدلاً من: "ماذا لدي؟"

وهنا تحدث المفارقة.

قد تتغير ظروفك فعلاً، لكن شعورك لا يتغير؛ لأن المشكلة لم تعد في الأشياء، بل في العدسة التي تنظر من خلالها إليها.

ولهذا، فإن الامتنان لا يعني أن تكذب على نفسك أو تتظاهر بأن كل شيء بخير.

يمكنك أن تكون متألماً وممتناً في الوقت نفسه.

يمكنك أن تعترف بما فقدته، دون أن تسمح لما فقدته بأن يمحو من ذاكرتك كل ما بقي.

الوجه النفسي للجحود

1-الجحود على الذات

أخطر أنواع الجحود أن تجحَد نفسك.

تنسى أنك تقدّمت، أنك تغيّرت، أنك صمدت.

تظل ترى نفسك في المرآة القديمة، تلك التي كسرتها الحياة منذ سنوات.

2-الجحود على الآخرين

نحن سريعو الغضب، بطيئو الشكر.

نحفظ الخطأ الواحد وننسى العشرين حسنة.

ليس لأننا أشرار، بل لأن السلبي يُسجّل بشكل أعمق في الذاكرة العاطفية.

كيف نُعيد برمجة العقل؟

1-التوقف عن "عدّ" السعادة

لا تنتظر حتى تملك كل شيء لتشعر بالامتنان.

السعادة ليست معادلة رياضية: "إذا حدث كذا، سأكون سعيداً".

هي ممارسة يومية، مثل التنفس.

2-كتابة ما يُنسى

احتفظ بورقة صغيرة.

اكتب فيها ثلاثة أشياء بسيطة كل مساء.

قد يكون فنجان قهوة دافئاً، أو ابتسامة غريب، أو مجرد أنك استيقظت.

هذا ليس "تفاؤلاً سخيفاً".

هو تدريب عصبي.

تُعيد لعقلك ترتيب أولوياته.

3-التصالح مع النقص

أنت لن تملك كل شيء.

ولن تصبح نسخة مثالية.

والأهم: لست مضطراً لذلك.

النقص ليس عيباً، هو الجزء الطبيعي من كونك إنساناً.

التذكر المستمر للنقص هو المشكلة، لا النقص ذاته.

الخاتمة

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الأشياء لنشعر بالاكتمال.

نحتاج إلى رؤية ما نملكه بعيون جديدة.

الجحود الوجه النفسي ليس جريمة، هو غفوة.

وكل غفوة يمكن أن تنتهي بلحظة يقظة.

تذكّر: القلب الذي ينبض الآن، والعقل الذي يقرأ هذه السطور، والروح التي تسعى للفهم...

هذا وحده يكفي لبداية جديدة.


 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Daabis تقييم 4.98 من 5.
المقالات

32

متابعهم

73

متابعهم

149

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-